فصل: تفسير الآيات (22- 35):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: محاسن التأويل



.تفسير الآيات (15- 18):

القول في تأويل قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهَا لَظَى نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى وَجَمَعَ فَأَوْعَى} [15- 18].
{كَلَّا} أي: لا يكون ذلك {أَنْهَا} أي: النار الموعود بها المجرم {لَظَى} أي: لهب خالص.
{نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى} أي: الأطراف، كاليد والرجل. أو جمع شواة، وهي جلدة الرأس.
{تَدْعُواْ} أي: على صليّها {مَنْ أَدْبَرَ} أي: عن الحق {وَتَوَلَّى} أي: عن الطاعة.
{وَجَمَعَ} أي: المال {فَأَوْعَى} أي: جعله في وعاء وكنزه، ومنع حق الله منه، فلم يزكّ، ولم ينفق فيما أوجب الله عليه إنفاقه فيه.

.تفسير الآيات (19- 21):

القول في تأويل قوله تعالى: {إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً} [19- 21].
{إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً} أي: قليل الصبر، شديد الحرص، كما بينه بقوله: {إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ} أي: الضرّ والبلاء {جَزُوعاً} أي: كثير الجزع من قلة صبره.
{وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ} أي: كثر ماله وناله الغنى {مَنُوعاً} أي: لِما في يده، بخيل به، لشدة حرصه.

.تفسير الآيات (22- 35):

القول في تأويل قوله تعالى: {إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ} [22- 35].
{إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} أي: مقيمون، لا يضيّعون منها شيئاً.
{وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} أي: المتعفّف الذي أدبرت عنه الدنيا، فلا يسأل الناس. وقيل: الذي لا ينمي له مال. وقيل: المصاب ثمره، أخذاً من قوله أصحاب الجنة في السورة قبلُ: {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} [القلم: 27]. واللفظ أعمّ من ذلك كله.
وقد روى ابن جرير عن ابن عمر أنه سئل عن الحق المعلوم أهو الزكاة؟ فقال: إن عليك حقوقاً سوى ذلك.
ومثله عن ابن عباس قال: هو سوى الصدقة، يصل بها رَحِماً، أو يُقري بها ضيفاً، أو يحمل بها َكلاًّ، أو يعين بها محروماً.
وعن الشعبيّ: أن في المال حقاً سوى الزكاة.
{وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ} أي: الجزاء.
{وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ} قال ابن جرير: أي: وَجِلون أن يعذبهم في الآخرة، فهم من خشية ذلك لا يضيّعون له فرضاً، ولا يتعدون له حداً.
{إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ} أي: أن ينال من عصاه، وخالف أمره.
{وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} أي: لغلبة ملكة الصبر، وامتلاك ناصيته.
{إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} قال ابن جرير: أي: التمس لفرجه منكحاً سوى زوجته، أو ملك يمينه..
{فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} أي: الذين عدوا ما أحل الله لهم، إلى ما حرّمه عليهم.
{وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} قال ابن جرير: أي: لأمانات الله التي ائتمنهم عليها من فرائضه، وأمانات عباده التي ائتمنوا عليها، وعهوده التي أخذها عليهم بطاعته فيما أمرهم به ونهاهم، وعهود عباده التي أعطاهم، على ما عقده لهم على نفسه راعون، يرقبون ذلك ويحفظونه فلا يضيّعونه.
{وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ} أي: لا يكتمون ما استشهدوا عليه، ولكنهم يقومون بأدائها حيث يلزمهم أداؤها، غير مغيّرة ولا مبدّلة.
{وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} أي لا يضيّعون لها ميقاتاً ولا حَدّاً. قيل: الحفظ عن الضياع، استعير للإتمام والتكميل للأركان والهيئات، ولذا قال القاضي: وتكرير ذكر الصلاة ووصفهم بها أولاً وآخراً باعتبارين: للدلالة على فضلها، وإنافتها على غيرها.
{أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ} أي: بثواب الله تعالى، لاتصافهم بمكارم الأخلاق.

.تفسير الآيات (36- 39):

القول في تأويل قوله تعالى: {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ} [36- 39].
{فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ} أي: مسرعين للحضور، ليظفروا بما يتخذونه هزؤاً.
وعن ابن زيد: المهطع الذي لا يطرف.
{عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ} أي: متفرقين حِلقاً ومجالس، جماعة جماعة، معرضين عنك وعن كتاب الله.
{أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ} أي: ولم يتّصف بصفات أهلها المنوّه بها قبل.
{كُلاَ} أي: لا يكون ذلك، لأنه طمع في غير مطمع.
{إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ} أي: من النطف. يعني: ومن قدر على ذلك فلا يعجزه إهلاكهم، فليحذروا عاقبة البغي والفساد، ولذا قال:

.تفسير الآيات (40- 44):

القول في تأويل قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ عَلَى أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} [40- 44].
{فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ} يعني مشرق كل يوم من السَّنة ومغربه، أو مشرق كل كوكب ومغربه، أو الأقطار التي تشرق فيها الشمس وتغرب.
{إِنَّا لَقَادِرُونَ عَلَى أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} أي: بمغلوبين، إن أردنا ذلك.
{فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ} أي: أخذهم فيه وهلاكهم.
{يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} أي: يسرعون.
والنصب: الصنم المنصوب للعبادة، أو العلَم المنصوب على الطريق ليهتدي به السالك، أو ما ينصب علامة لنزول الملك وسيره. فهم يسرعون إسراع عبدة الأصنام نحو صنمهم، أو إسراع من ضل عن الطريق إلى أعلامها، أو إسراع الجند إلى راية الأمير.
{خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ} أي: من الخزي والهوان.
{تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} أي: تغشاهم ذلة من هول ما حاق بهم.
{ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} أي: بأنهم ملاقوه.

.سورة نوح:

بسم الله الرحمن الرحيم

.تفسير الآيات (1- 4):

القول في تأويل قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاء لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [1- 4].
{إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} يعني عذاب الطوفان.
{قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ} أي: يعفو عنها. و{مَنِ} إما مزيدة، أو تبعيضية. وهو ما وعدهم العقوبة عليها. وأما ما لم يعدهم العقوبة عليها، فقد تقدم عفوه لهم عنها. أو هو ما سبق، فإن الإسلام يجُبُّ ما قبله {وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} وهو أقصى ما قدره بشرط الإيمان. أي: فلا يعاجلكم بعذاب غرق أو نحوه.
{إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ} أي: الذي كتبه على من كذب وتولى {إِذَا جَاء لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: من أهل العلم والنظر لأنبتم.

.تفسير الآيات (5- 14):

القول في تأويل قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لله وَقَارًا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً} [5- 14].
{قَالُ} أي: نوح بعد أن بذل غاية الجهد، وضاقت عليه الحيل، في تلك المدد الطوال، {رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي} أي: إلى التوحيد والعمل الصالح {لَيْلاً وَنَهَاراً} أي: دائماً بلا فتور ولا توان.
{فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَاراً} أي: من الحق الذي أرسلتني به.
{وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ} أي: إلى الإيمان {لِتَغْفِرَ لَهُمْ} أي: بسببه {جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} أي: سدوا مسامعهم من استماع الدعوة {وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ} أي: تغطوا بها من كراهة النظر إلى وجه من ينصحهم في الدين {وَأَصَرُّوا} أي: على الشر والكفر {وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً} أي: تعاظموا عن الإذعان للحق، وقبول ما دعوتهم إليه من النصيحة.
{ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً} أي: دعوتهم مرة بعد مرة، على وجوه متنوعة، ما بين مجاهرة وإظهار بلا خفاء، وما بين إعلان وصياح بهم، وما بين إسرار فيما بيني وبينهم في خفاء. وهذه المراتب أقصى ما يمكن للآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر.
{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ} أي: سلوه العفو عما سلف بالتوبة النصوح {إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً} أي: لذنوب من تاب وأناب.
{يُرْسِلِ السَّمَاء} أي: المطر {عَلَيْكُم مِّدْرَاراً} أي: متتابعاً.
{وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ} أي: فيكثرها عندكم {وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً} أي: لسقيا جناتكم ومزارعكم.
{مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً} أي: لا ترون له عظمة، إذ تشركون معه مالا يسمع ولا يبصر، فنفي الرجاء مراد به نفي لازمه، وهو الاعتقاد، مبالغة. وجوّز أن يكون الرجاء بمعنى الخوف، أي: مالكم لا تخافون عظمة الله. ومنه قوله:
إذَا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا

قال الشهاب: وهو أظهر.
{وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً} أي: تارات تراباً ثم نطفاً ثم علقاً ثم مضغاً ثم أجنة، وهكذا طوراً بعد طور. أي: ومقتضى علم ذلك شدة الرهبة من بطشه وأخذه، لعظيم قدرته. هذا في أنفسكم. وهكذا يستدل على باهر عظمته، وقاهر قدرته من آياته الكونية. كما قال:

.تفسير الآيات (15- 20):

القول في تأويل قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً} [15- 20].
{أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً} أي: يزيل ظلمه الليل، وينير وجه الأرض.
{وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً} أي: أنشأكم منها.
{ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً} أي: للحساب والجزاء.
{وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطاً} أي: تستقرون عليها وتمتهدونها.
{لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً} أي: طرقاً مختلفة.

.تفسير الآيات (21- 25):

القول في تأويل قوله تعالى: {قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّارًا وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلَا سُوَاعاً وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَاراً} [21- 25].
{قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي} أي: خالفوا أمري وردّوا عليّ ما دعوتهم إليه من الهدى والرشاد، {وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَاراً} أي: رؤساءهم المتبوعين، أهل المال والجاه، المعرضين عن الحق، الذين غرتهم أموالهم وأولادهم، فهلكوا بسببهما، وخسروا سعادة الدارين.
{وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً} أي: متناهياً كبره، فإن الكبّار أكبر من الكبير.
{وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلَا سُوَاعاً وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً} قال قتادة: كانت آلهة تعبدها قوم نوح، ثم عبدتها العرب بعد ذلك.
قال: فكان ود لكلب بدومة الجندل، وكانت سواع لهزيل، وكان يغوث لبني غطيف من مراد بالجرف، وكان يعوق لهمذان، وكان نسر لذي الكلاع من حمير.
وقال في رواية: والله ما عدا- أي: كل منها- خشبة أو طينة أو حجراً.
وقال ابن جرير: كان خبرهم- فيما بلغنا- من محمد بن قيس قال: كانوا قوماً صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم. فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم.
وروى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب، بعدُ: أما ود، فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غُطَيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمذان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكَلاع: أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبُوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، وتَنَسَّخَ العلمُ، عُبدت.
تنبيهات:
الأول: قال الرازيّ: في انتقالها عن قوم نوح إلى العرب إشكال، لأن الدنيا قد خربت في زمان الطوفان، فكيف بقيت تلك الأصنام، وكيف انتقلت إلى العرب. ولا يمكن أن يقال: إن نوحاً عليه السلام وضعها في السفينة وأمسكها، لأنه عليه السلام إنما جاء لنفيها وكسرها، فكيف يمكن أن يقال: إنه وضعها في السفينة سعياً منه في حفظها؟ انتهى كلامه.
ونحن نقول: إن جوابه بديهي، وهو أن انتقالها إلى العرب بواسطة نقل أحوال قوم نوح وأبنائهم وعوائدهم، على ألسنة الرحّل والسمّار، لأن سيرة القرن المتقدم في العصر المتأخر، وسنّة الخالف أن يؤرخ السالف. وجلي أن النفس أميل إلى الجهل منها إلى العلم، لاسيما إذ زين له المنكر بصفة تميل إليها، فتكون ألصق به. وهكذا كان بعد انقراض العلم وحملته، أن حدث ما حدث من عبادتها، كما أشارت إليه رواية ابن عباس عند البخاري: حتى إذا هلك أولئك، وتَنَسَّخ العلم، عبدت. وعجيب من الرازيّ أن لا يجد مخرجاً من سؤاله، وهو على طرف الثُمَامِ.
الثاني: قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: حكى الواقدي قال: كان وُد على صورة رجل، وسواع على صورة امرأة، ويغوث على صورة الأسد، ويعوق على صورة فرس، ونسر على صورة طائر. وهذا شاذ، والمشهور أنهم كانوا على صورة البشر، وهو مقتضى ما تقدم من الآثار في سبب عبادتها. انتهى.
الثالث: قال ابن القيم في إغاثة اللهفان: أول ما كاد به الشيطان عبَّاد الأصنام، من جهة العكوف على القبور، وتصاوير أهلها، ليتذكروهم بها، كما قص الله سبحانه قصصهم في كتابه فقال: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ} الآية.
ثم قال: وتلاعب الشيطان بالمشركين في عبادة الأصنام له أسباب عديدة، تلاعب بكل قوم على قدر عقولهم: فطائفة دعاهم إلى عبادتها من جهة تعظيم الموتى الذين صوروا تلك الأصنام على صورهم، كما تقدم عن قوم نوح عليه السلام، ولهذا «لعن النبي صلى الله عليه وسلم المتخذين على القبور المساجد السرج»، و«نهى عن الصلاة إلى القبور»، و«سأل ربه سبحانه أن لا يجعل قبره وثناً يعبد»، و«نهى أمته أن يتخذوا قبره عيداً»، وقال: «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، و«أمر بتسوية القبور، وطمس التماثيل»، فأبى المشركون إلا خلافه في ذلك كله، إما جهلاً، وإما عناداً لأهل التوحيد، ولم يضرهم ذلك شيئاً... إلى آخر ما ذكره رحمه الله.
وقوله تعالى: {وَقَدْ أَضَلُّوا} أي: الرؤساء {كَثِيراً} أي: خلقاً كثيراً، أو الأصنام كقوله تعالى: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ} [إبراهيم: 36]. {وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالاً} أي: خذلاناً واستدراجاً. وإنما دعا ذلك ليأسه من إيمانهم.
قال أبو السعود: ووضع الظاهر موضع ضميرهم، للتسجيل عليهم بالظلم المفرط، وتعليل الدعاء عليهم به: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ} أي: من أجلها {أُغْرِقُوا} أي: بالطوفان {فَأُدْخِلُوا نَاراً} أي: أذيقوا به عذاب النار {فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَاراً}
قال الزمخشريّ: تعريض باتخاذهم آلهة من دون الله، وأنها غير قادرة على نصرهم، وتهكم بهم، كأنه قال فلم يجدوا لهم من دون الله آلهة ينصرونهم ويمنعونهم من عذاب الله، كقوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا} [الأنبياء: 43].
وقال الرازيّ: لما ثبت أنه تعالى هو القادر على كل المقدورات، بطل القول بالوسائط.